بيان الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية حول قضية مدرسة الرقاب

إن الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية تتابع ببالغ الانشغال ما كشفت عنه تحقيقات صحفية حول مركز استقطاب أطفال ومراهقين بتواطئ من أوليائهم الذين أودعوهم به. حيث تمّ انتهاك حقوقهم الأساسية وذلك باحتجازهم بحجّة تعليمهم القرآن في مقرّ يفتقر لأدنى متطلبات التدريس وأدنى شروط السلامة بل الكرامة البشرية فضلا عن أنهم لقوا فيه كل أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والاعتداء على حرمته الجسدية بما فيها اغتصاب البعض منهم حيث وجّه القضاء تهمة بهذا الشأن لبعض القائمين على هذا المركز وحيث كشف التحقيق الصحفي ثم الأبحاث الأمنية والقضائية أن المركز المذكور كان يقوم بتنشئة الأطفال والمراهقين على السلوك العدواني والطرّف الديني وبتلقينهم الفكر الإرهابي.

كما تتابع الهيئة بنفس الانشغال الكشف التدريجي لمثل هذه المراكز التي هي أشبه بالمعتقلات من أي شيء آخر حيث ثبت أن مركز “الرڨاب” لا يشكّل حالة منعزلة في هذا الشأن وبالتالي تضع السلط الثلاث أمام مسؤولياتها سواء تعلق الأمر بالسلطة التشريعية أي البرلمان في وظيفته الرقابية على الحكومة لكن كذلك في وظيفته التشريعية بما تقتضيه من ضرورة معالجة الضعف الذي تشكوه منظومتنا التشريعية للتصدّي لمثل هذه الجرائم، والسلطة التنفيذية وتحديدا الحكومة التي لا يمكن أن تواجه الأزمة بمجرّد إقالة مسؤول أو مسؤولين، والسلطة القضائية

بناء على ما تقدّم فإن الهيئة:

  • تطالب مركز الإيواء الذي يحتضن اليوم هؤلاء الأطفال والمراهقين إلى جانب كل ما تتطلبه رعايتهم وعلاجهم وإعادة تأهيلهم، بحمايتهم من التوظيف السياسي الذي قد يذهب إليه بعض السياسيين الذي وفدوا ربما سيفدون مستقبلا عليهم بحجة زيارتهم
  • تطالب السلطة القضائية بمواصلة التحقيقات من أجل تحديد المسؤوليات مهما كانت ومحاكمة كل ضالع في مثل هذه الجريمة من مدبّر ومموّل ومنفّذ
  • وتطالب الكتابة العامة للحكومة باحترام وإنفاذ أحكام المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر 2011 والمتعلّق بالجمعيات وذلك بتقفّى آثار تلك التي تخالف في أهدافها أو في نشاطها أو في طرف تمويلها أو طرق تصرّفها مقتضيات هذا المرسوم وذلك بعد الاكتفاء بالتنبيه عليها أو تعليق نشاطها بل بحلّها عن طريق القضاء الإداري إذا أن أغلب المراكز التي تنشر الفكر الإرهابي لدى الناشئة متفرّعة عن جمعيات
  • وتطالب وزارة الشؤون الدينية بتحمّل مسؤوليتها في تأطير الخطاب الديني على منابر المساجد وفي وضع ضوابط لأساليب تعليم القرآن في الكتاتيب التابعة لهذه المساجد والتأكّد من أهلية القائمين على مثل هذا التعليم لأدائه وكفاءتهم
  • وتطالب وزارة المرأة والطفولة والمسنين وعلى ضوء ما كشفته الأحداث الأخيرة من استهداف للطفولة من أجل مشروع مجتمعي ظلامي تركيز كل جهودها لمراقبة كل مراكز احتضان الأطفال والمراهقين بحجة تعليمهم تحت أي مسمّى من مسميات هذه المراكز وسواء كان ذلك بإرادة وبعلم أوليائهم أو بدونها علما وأن الدستور التونسي أقرّ في فصله 47 أفرّ أن “حقوق الطفل على أبويه وعلى الدولة ضمان الكرامة والصحة والتربية والتعليم. على الدولة توفير جميع أنواع الحماية لكل الأطفال دن تمييز …”
  • وتطالب وزارة التربية بمتابعة ظاهرة الانقطاع المبكّر عن المدرسة والعمل على مكافحتها بكل السبل المتاحة لها بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة المرأة والطفولة والمسنين كما تطالبها ببسط رقابة جدية على المدارس الخاصة والتأكد من احترامها لمناهج تعليم تراعي متطلبات الطفولة وحقها في تعليم يكفل للطفل لا فقط الحصول على معارف وتنمية مهاراته بل كذلك ضمان توازنه النفسي والعاطفي
  • وتطالب كل الجهات التي منحها الدستور سلطة المبادرة التشريعية وعلى رأسها مجلس نواب الشعب وضع إصدار قانون خاص بالمحاضن ورياض الأطفال من بين أولى أولوياتها للتصدي لظاهرة الأطر العشوائية والغريبة على أنماط تربيتنا لاحتضان أطفالنا وتربيتهم.

هذا وتعلم الهيئة أنها ستتابع يوما بيوم تطور هذا الملف وتطور التدابير التي ستتخذها كل سلطة كل في ما يهمّها بهذا الشأن.